يواصل لبنان مواجهة واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في المنطقة، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي أثرت بصورة مباشرة في حياة ملايين السكان. ومع تراجع القدرة الاقتصادية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور الخدمات الأساسية، تتزايد الضغوط على الأسر والمجتمعات المحلية، مما يجعل الأزمة تتجاوز بعدها الاقتصادي لتطال التماسك الاجتماعي والاستقرار المجتمعي.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الأزمة الإنسانية في لبنان لا تتمثل فقط في ارتفاع الاحتياجات الإنسانية، بل في تنامي مستويات الهشاشة داخل المجتمعات، نتيجة استمرار تراجع سبل العيش، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد أعداد الأسر التي تعتمد على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتها الأساسية. كما يواجه الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة تحديات متزايدة في الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية والحماية الاجتماعية، في ظل الضغوط المتواصلة على المؤسسات والخدمات العامة.
وشهد لبنان خلال فترات التصعيد العسكري الأخيرة موجات نزوح داخلي واسعة، فرضت تحديات إضافية على المجتمعات المضيفة، وزادت من الضغط على البنية التحتية والخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، وثقت تقارير دولية ووسائل إعلام موثوقة وقوع حالات محلية واجهت فيها بعض الأسر النازحة صعوبات في الوصول إلى السكن أو الخدمات، أو قيودًا على الإقامة في بعض المناطق، في ظل مخاوف أمنية واستقطابات سياسية وطائفية، وهو ما يعكس هشاشة التماسك الاجتماعي في ظل استمرار الأزمة.
ورغم أن لبنان يمتلك تاريخًا طويلًا من التعددية والتعايش بين مكوناته الدينية والثقافية، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية، وتراجع قدرة مؤسسات الدولة، والمنافسة المتزايدة على فرص العمل والخدمات والموارد المحدودة، كلها عوامل تزيد من احتمالات الاحتقان المحلي وتراجع مستويات الثقة بين بعض مكونات المجتمع. وتؤكد وكالات الأمم المتحدة أن هذه الظروف تتطلب استجابات لا تقتصر على الإغاثة الإنسانية، بل تشمل أيضًا برامج تعزز الحوار المجتمعي، وتدعم الثقة المتبادلة، وتوفر فرصًا عادلة للوصول إلى الخدمات وسبل العيش.
كما تؤثر الأزمة بصورة متزايدة في رأس المال الاجتماعي، من خلال تراجع الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وارتفاع الشعور بعدم اليقين، وزيادة مخاطر الاستقطاب والانقسام المجتمعي. وتبين الدراسات الإنسانية أن المجتمعات التي تتعرض لأزمات اقتصادية وأمنية ممتدة تصبح أكثر عرضة لخطابات الكراهية والتوترات المحلية، خصوصًا عندما تترافق مع ضعف فرص العمل وتراجع الخدمات العامة.
وتؤكد الأمم المتحدة وشركاؤها الإنسانيون أن تعزيز التماسك الاجتماعي يمثل أحد الركائز الأساسية للاستجابة الإنسانية في لبنان، باعتباره عنصرًا رئيسيًا في الحد من التوترات، وتعزيز الاستقرار، وبناء قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات. ويتطلب ذلك الاستثمار في برامج سبل العيش، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتمكين الشباب والنساء، ودعم المبادرات المجتمعية، وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني والسلطات المحلية في الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
إن الأزمة الحالية تؤكد أن التعافي المستدام لا يتحقق من خلال المساعدات الإنسانية وحدها، بل يستوجب نهجًا متكاملًا يجمع بين الإغاثة الإنسانية، والتعافي المبكر، والتنمية المستدامة، وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع، بما يسهم في ترسيخ السلام الاجتماعي، والحد من مخاطر الانقسام، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المستقبلية.


